كميل عواد…
فنان أصابعه غزلت اللوحة نسيج ضوء وحلم
أتذكر الآن أنني رأيته في المرة الأولى، وكأنني أعرفه منذ زمن بعيد … مرة واحدة ورسخت الصورة في ذهني … عينان ذكيتان عميقتان ترقبان العالم بشغف وحساسية ، وابتسامة حنونة متفجرة بالحيوية والجذل ، مرة واحدة انطبعت صورة الشخصية بملامحها الإنسانية الحميمة، هذا هو الانطباع الأول.
تعددت اللقاءات فوجدته يجذبني إليه بمغناطيس صفاء نفسه وصدقه وأحاسيسه الجياشة … بطفولته الرائعة … اقتربت منه أكثر فأكثر لاكتشف فيما بعد بأن نبعا من القدرات والمواهب التي تتابع ظهورها فيما بعد نبعا داخل لوحاته ورسوماته لأجد أمامي فنان الشخص فيه صامتا ، دؤوبا ، منكبا على العمل والإنتاج … بحيث يختفي عن العين لكي تحتل لوحاته المشهد بكامله .كأنه هو شخصيا يتحول إلى لوحة فنية لا تكف عن النمو والتطور، والسعي إلى إبداع جديد.
وبيني وبين رسوماته نشأت علاقة صامتة تتضمن السؤال والتوقع، وانتظار ما ستنكشف عنه هذه الموهبة الملحوظة.
في كل لوحة جديدة كان ينطبع المزيد من جوهر الفنان المبدع، وعلاقته الحنونة بالعالم وبلغته. أقول حنونة، لأن عينه كانت تصبو إلى احتضان المزيد من أشياء العالم، والى تكوينها بعذوبتها وشفافيتها داخل اللوحة، في الحين الذي تسيطر فيه النظرة الطموحة بعكس أولئك المستلبين برغبة البريق والظهور قبل الإنشاء والتكوين.
في كل مرة التقي به أو أزوره ألحظ المزيد من الخطوط والرسوم، لأكتشف في حناياها شخصية جديدة لكميل عواد..المزيد من تبلور اللون والضوء ومن شفافية الروح والنفس.
المزيد من اختزال الحياة واللحظات داخل حركة الخط وعناقه مع اللون. حتى أنني صرت أعجب لسرعة تطوره النابعة من ارتباط حقيقي بالفن ومن إصرار لا يلين واندفاع لا يتوقف لكي يأخذ لحظة استراحة.
حاولت الكثير استدراجه إلى لقاء عبر الأثير أو عبر صفحات الجرائد ولكن كل محاولاتي باءت بالفشل، على الرغم من إدراكي الشديد لضرورة إلقاء الضوء على هذا الفنان الذي يمتلك الموهبة. وكأنني به يقول في هذا الزمن الذي كثر فيه أدعياء الموهبة، وتهافت نتاجاتهم وهشاشتها، تعلمنا أن لا نعترف بالأصيل إلاَّ بعد طول اختبار ومعايشة وتحقيق وتدقيق. كأن صخب الكلام انتقل إلى الأضلاع والأفئدة، وجحيم الببغاوات المتكاثرة انتهى إلى جعلنا نفقد الثقة في الحقيقي إلى أن نطبق عليه الكثير من اختباراتنا.
كم كانت سعادتي وحبوري ودهشتي في ذلك الصباح حين رأيت لوحته عن القدس، فأعادتني إلى رائحة البيت الأول وعبق القطن المطرز على المحنة ورسومات الذاكرة الشعبية التي الطيور والعصافير والحمائم بتوهج الفرح الداخلي منذ أيام الطفولة. في ذلك الصباح حيث اعتدت احتساء القهوة معه..لم أخبره عن الفرح الداخلي الذي يجتاحني كلما شاهدت إنتاج هذا الفنان الشاب والفنان المندفع الأصيل إلى الإنتاج لم يتوقع كلمة شكر أو ثواب، لأنه كان مشغولاً كالعادة بإنتاج الجديد، وزرع ألوان الطمأنينة والفرح في ملامح أعماله.
كميل عواد ..فنان حقيقي يحمل فرشاته وادواته ورسوماته، ليرسم الوطن..لم يكن بإمكانه سوى أن يفعل هذا هذا، أن يجعل لغته ووطنه ومجتمعه أحلامه ومدار إبداعاته.
نكتب الآن عنه وعن أعماله رغبة منا ووفاء لفنان يعمل بصمت ويرفض إلاَّ أن يقدم إبداعات فنية تكرست فيها الموهبة والشفافية..فتراه فنانا يحمل نبض الحنين بين أصابعه التي تغزل اللوحة وكأنها نسيج ضوء..يرسم بنبض حنين للدفء، والأرض والحواري وأزقة الطريق.
ريشة كميل عواد ترسم لوحات تشتعل جميعاً بدفء ألوانه الرقيقة، الموشاة مثل ذاكرة قديمة تنبعث من صندوق الحكايا..حكايا عن وطن وشوق لأمٍ وأحلام عظيمة لا تكتمل في سواد المنفى والغربة.
تحية نوجهها لكل فنان مبدع في دنيا الاغتراب.
كميل عواد
الفنان في سطور
• مواليد جرنايا قضاء جزين 1/8/1961
• مصمم إعلانات-رسام وخطاط
• هاجر إلى استراليا عام 1985

من ذاكرة المسيرة : لوحات للفنان التشكيلي فؤاد تومايان
مؤسسة الجذور الثقافية - ملبورن - أستراليا  © 2020                     Copyright: https://www.algethour.com                       
free counter
>