جذوة الثورة تكمن في كلمة معدلة
بقلم فؤاد الحاج
عندما نكتب عن الأدب العربي بشكل عام لا بد من القول بأن الأديب الأصيل هو المعبر الصادق عن حضارة كانت رافداً مهماً من روافد الحضارة الإنسانية. هذه الحضارة التي تواجه اليوم تحديات كبيرة تحاول طمس معالمها بطرق شتى ووسائل مختلفة، أهمها وأخطرها هو محاولات النيل من اللغة العربية باعتبارها المعقل الأخير من معاقل الحضارة العربية عبر التاريخ.
وبما أنه في البَدء كانت الكلمة، التي انطلق منها الإنسان في هذه الحياة، معبّراً عن شؤونه وشجونه.. ازدهرت الآداب عبر العصور في كافة المجالات.. وما من مكان وصله ابنَ وطنِنا الأم عبر التاريخ إلا وكان سباقاً وطليعياً في الحياة الثقافية. لن نعود إلى الماضي البعيد لنسرد الوقائع والأدلة بل لسنوات قريبة من تاريخ جاليتنا في استراليا لنستدل على بعض وقائع الطابع الثقافي الذي نقله ابن الوطن الأم إلى هذه الديار حيث تزدهر اليومَ الصحافةْ التي هي أيضاً جزء هام لانطلاقة الأدب في هذا المهجر.. فمنذ منتصف الخمسينات صدرت الصحف لتنقل إضافة لأخبار الوطن الأم آثار الشعر والأدب.
لا نريد أن ندخل بالتفاصيل في هذا المجال، إلا لنقول بأن دور أبناء جاليتنا في ولاية فيكتوريا كان لهم نصيب وافر في هذا المجال حيث صدرت المطبوعاتُ المختلفة منذ عام 1963 فأصدر المرحوم رودولف ابو خاطر مجلة (النور) لمدة أربع سنوات. ثم في بداية عام 1975 أصدر جورج عبد الصليب مجلة (الرسالة) والتي استمرت أيضاً لفترة أربع سنوات، إضافة إلى صدور عدد آخر من المطبوعاتْ التي لم تعمّر طويلاً لسبب أو لآخر، وأذكر أيضاً ومجلة (الجذور) التي أصدرها علي أبو سالم في ولاية فيكتوريا سنة 1999 وهي مجلة أدبية فصلية بحجم كتاب عدد صفحاتها 132 صفحة، وقد صدر منها عشرة أعداد، ثم توقفت عن الصدور، ومع نهاية سنة 2020 يعيد إصدارها مجدداً وذلك لفراغ الساحة في ولاية فيكتوريا لمثل هذا النوع من المجلات.
وبما أن ارتفاع نسبة المتعلمين أو حملة الشهادات، لا يدل على الرقي أو التطور أو التقدم أو على ارتفاع نسبة الوعي، جيدٌ أن يكون الأديبُ الواعي والمثقفْ من حَمَلةِ شهادات التخصص، لأن الكلمةَ الصحيحة والإيمانَ بها وبتأثيرها يكونُ مضاعفاً، لذلك أن العلم يوصل إلى حمل الشهادات المتدرجة المختلفة، وقد يكونُ أصحابها أشد خطراً على المجتمع من الجاهلين غير المتعلمين.. لأن الثقافة الحقيقية هي الوعي الكامل لحقيقة الإنسانْ وسِرَّ وجوده وقيّمه المختلفة، وهذا يحظى به المرء متعلماً كان أم أميّاً. والثقافة الحقيقية، هي قبل كل شيء، وعي للحريةْ وللقيم الإنسانية، وممارسة لها على أرقى المستويات.. وقليلون هم الذين يتحلون بها.. لأن التعبير عن الجمال أو الحزن، أو عن مأساة الوطن لا يتطلب الشهادات العليا، لأن لغَة التعبيرِ هي هاجس شفاف يسكن داخل كلَّ إنسان، وكلٌّ يعبّر عنه بطريقةٍ مختلفة، وكلها تصب في يَمٍ واحد.
هذا بشكل عام عن الأدب، أما الشعر فهو خلجات تتدفق من قلب الشاعر فيخرجها بأسلوب راق صوتاً قبل أن يزفها حبراً على الورق، من هنا نجد بأن الصلة والعلاقة بين الشعر والثورة حميمة، لأن الثورة شعر بغير أسلوب الكلمات، والشعر ثورة بغير أسلوب الطلقات.. إذ حين يكون الإنسان ثائراً، لا بد أن يكون شاعراً على نحو ما، وحين يكون شاعراً لا بد أن يكون أيضاً ثائراً بشكل ما، فحينما تثور فإنما لأنك تحب، فالحب في الثورة يسبق البغض، وحين تكتب شعراً، فإنما لأنك تحب، وتثور إن كان ثمَّة ما يحول دونك والمحبوب.
وأرقُّ الشعر كان دائماً بأعظم الحب، وأفضل الثائرين أكثرهم حباً للوطن، للعائلة، للحبيبة، للصديق، وبشكل عام للإنسانية..
وكم يكون الألم عظيماً حين تشعر بأنهم يريدون أن يسرقوا منك الحلم بتحرير الوطن والإنسان.. فحلم الشاعر من افتك الأسلحة، لأن كلمته هي الذخيرة، وفكره هو المستودع.. وبما أن الأعداء لن يستطيعوا اقتناص الحلم لأنه في المخيلة، وهي بعيدة عن متناول يدهم.. فهم قد يستطيعون كل شيء: تجويعك، هدم منزلك، تجويع أطفالك، هتك القيم، تشريدك وتهجيرك كما هو حاصل معنا أو مع الأغلبية منَّا، إلا أنهم لم ولن يستطيعوا اقتناص الكلمة، لأنها ليست في متناول يدهم، وهذا ما يخيفهم وما يرعبهم.. فجذوة الثورة تكمن في كلمة صادقة، معبرة عن مكنون شعب بأسره، تكمن في الحلم.. ودور الأديب والمثقف هو المحافظة على الحلم والكلمة المعبرة، ومن أبقى على حلمه فقد أبقى على رغبة الانتصار لديه.
فؤاد الحاج
فؤاد الحاج في سطور
• من مواليد شمال لبنان 1947
• عمل مراسلاً ومصوراً في شمال لبنان لصحيفة (بيروت) منذ عام 1968، ثم لصحيفة (الأنوار) منذ عام 1972 لغاية 1976.
• هاجر إلى أستراليا عام 1977 وزاول مهنة الصحافة كمندوب لجريدة "النهار" الأسترالية في ملبورن منذ عام 1987 وحتى بداية عام 1992.
• عمل مراسلاً من أستراليا لعدد من الصحف منها "الدستور" الأردنية، و"الجمهورية" ومجلة "ألف باء" ووكالة الأنباء العراقية.
• عضو الاتحاد العام للصحفيين العرب.
• عضو جمعية الصحفيين الأستراليين.
• عضو ناشط ومشارك في عدد من المؤتمرات والندوات السياسية والثقافية في العراق وليبيا والأردن ولبنان، منذ عام 1990 حتى عام 2004.
• عضو ومؤسس في "المنتدى الأدبي" في ولاية فيكتوريا سنة 1996.
• عمل في مجال الخدمات الاجتماعية متطوعاً وموظفاً، في ولاية فيكتوريا – أستراليا (1983 – 1991).
• صدر له ديوان نثر في ملبورن، نهاية عام 1996، بعنوان (الطائر الأسير).
• أسس جريدة "المحرر الأسترالي" كمطبوعة سنة 1992، وفي عام 1994 أدخلها إلى شبكة المعلومات الدولية، باسم (المحرر) فكانت أول مطبوع إلكتروني باللغتين العربية والإنكليزية في (الانترنيت) من أستراليا، وفي نهاية 2014 أغلقها وبقيت محفوظة أعدادها في موقع (الأرشيف العالمي).
• في منتصف عام 2011 أصدر كتاباً جديداً حمل عنوان (الصحافة العربية في أستراليا) من القطع الكبير (390) صفحة ثم أصدر طبعة ثانية منه في منتصف عام 2012 يتضمن سبعة فصول.
من ذاكرة المسيرة : لوحات للفنان التشكيلي فؤاد تومايان
مؤسسة الجذور الثقافية - ملبورن - أستراليا  © 2020                     Copyright: https://www.algethour.com                       
free counter
>
free counter
>