دافيد والدكتور
بقلم رغيد النحّاس
أطلّ من الشاشة بوقاره ودماثة خلقه وتسع وثمانين سنة من العطاء المستمر. هو خرّيج العلوم الطبيعيّة من جامعة كامبريدج العريقة. عرف عنه أكثرنا من برنامجه الإنكليزيّ الوثائقيّ، "الحياة على الأرض" (عام 1979)، الذي تميّز بحسن إنتاجه وإخراجه وتصويره بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ تلفزة الطبيعة الحيّة، فأصبح مرجعاً يحتذى، على الرغم من تميّز صاحبنا بعدد من البرامج الأخرى التي سبقت ذلك، واستمرار تميّزه ببرامجه التي لم يتوقّف عن إعدادها وتقديمها رغم تقدّم العمر.
استلم مناصب إداريّة رفيعة في "بي بي سي"، بما فيها مدير للبرامج، وطُرح اسمه ليصير مديراً عاماً لهذه المنظّمة البريطانيّة الأيقونة، لكنْ لم تكن لديه أيّ رغبة في ذلك، بل استقال من أعماله الإداريّة ليواصل كتابة البرامج وتقديمها.
حصل على إحدى وثلاثين شهادة فخريّة من الجامعات، بما فيها أكسفورد وكامبريدج، وهذا العدد لا ينافسه فيه أحد. سُمّي عدد من الأنواع الحياتيّة المكتشفة باسمه. يعتبره البريطانيّون أكثر المشهورين أهلاً للثقة، ويسمّونه كنزاً وطنيّاً. نال مختلف أنواع التكريم والتقدير والأوسمة من جهات محلّيّة وعالميّة، بما في ذلك من ملكة بريطانيا. إنّه "سير" دافيد أتينْبَرَه.
سأله مقدّم البرنامج، الذي كنت أشاهد، لماذا اختار مهنة الإعلام العلميّ عوضاً عن البحث العلميّ الذي كان من الممكن له ممارسته، لا سيّما أنّه خرّيج أعرق الجامعات. ذهلت حين أجاب أنّه لا يملك موهبة العالِم، وأنّه اختار ما يلائم قدراته!
ذكّرتني هذه الواقعة بشابّ خطب إحدى قريباتي في ستينيّات القرن المنصرم، وكنت أنا في المدرسة وهو في سنوات الجامعة الأولى من كليّة الطبّ. كنّا في سهرة عائليّة وكان والده والآخرون ينادونه بـ"دكتور". بينما كانت الخطيبة تناديه باسمه المجرّد، ولاحظتُ أنّها كلّما فعلت ذلك يمتلئ وجهه ووجه أبيه وأمّه بعلامات لا تدعو للراحة. بعد أيّام سمعنا من والدتي أنّ الخطيبة تعرّضت لأقصى أنواع التأنيب والتوبيخ والعتب، كيف أنّها "لا تراعي قدْر خطيبها، وأنّ عليها احترامه ومخاطبته كما يستحقّ."
لم تدم تلك العلاقة طويلاً، لكنّ الحقّ أنّ عادة التعظيم تلك كانت متفشيّة في مجتمعنا الدمشقيّ، خصوصاً فيما يتعلّق بمهنة الطبّ التي يعتبرها الناس قمّة المهن لما تكتنفه من جاه وثراء. ولهذا كان الوصول إلى أوّل سنة جامعيّة منها مغنماً كبيراً.
ليس هذا بالأمر السطحيّ كما يبدو، لأنّ هذا السلوك لم يتبدّد تماماً لدى العرب، وإنْ تخلّى معظمهم اليوم عن المخاطبة الرسميّة بين الأهل والأصدقاء، لكنّ الذهنيّة الجماعيّة لازالت مشوبة برواسب كثيرة من النفاق الذي رضي بعضهم الاستمرار فيه. وحين لا يتعدّى ضرر التعظيم الفرديّ مجرّد فسخ خطوبة أناس عاديّين، فلقد عشنا ولازلنا نشاهد أخطار وعواقب المبالغة في المدح والإطراء والتعظيم حين يكون الشخص المعنيّ في موقع المسؤوليّة المجتمعيّة والسياسيّة، فيصبح الفرد قائداً إلى الأبد، لا يخطئ ولا يحاسَب، فهو منزّه معصوم، وكلّ ما يلحق بشعبه من أضرار يأتي من طريق "المؤامرات الخارجية، والتدخّلات الاستعماريّة." والحاكم في هذه الحال يوّظف ما يتوفّر له من ذهنيّة المحابين الذين يعلمون أنّ لا وصول لهم إلى مراكز القوّة سوى زيادة المدح والإطراء، ما يعمي العيون عن العيوب والأغلاط. أضف إلى ذلك تهميش وقمع كلّ من يحاول النقاش. ومن سخرية القدر أنّ الحكّام العلمانيّين الذين يمارسون الديكتاتوريّة الفرديّة، أو أولئك الذين يستغلّون مبدأ الحزب الحاكم الواحد، يقمعون أمثالهم من العلمانيّين قبل قمع المتديّنين المتطرّفين. المتطرّفون خطر على الأمّة والشعب والدولة، بينما العلمانيّون الآخرون خطر على النظام القائم، يتمّ تهميشهم أو تصفيتهم بسريّة كاملة، وربّما يُلقى باللوم على المتطرّفين المتديّنين.
المنطقة العربيّة اليوم قد تكون في طريقها إلى الانتهاء كما نعرفها، وحديثنا هنا قد يبدو لا علاقة له أو، على الأقلّ، ليس له وزن مقارنة مع الفظائع التي ترتكب حاليّاً والفواجع التي يعيشها البشر هناك. لكنّي أتساءل، وأنا الذي يقطن أستراليا، لماذا نرى بعض مظاهر هذه الذهنيّة لدى الجالية العربيّة هنا؟
هذه المظاهر ترتدي لبوساً قد يختلف باختلاف الشخص. ورغم أنّ الأكثريّة هنا تتماهى مع المجتمع العامّ في عدم التركيز على المناداة بالألقاب في الأحوال العاديّة، إلّا أنّ حبّ التعظيم الذاتيّ، الذي يصل إلى حدّ النرجسيّة أحياناً، يتضح من طريقة تواصل هؤلاء مع المجتمع العامّ فتراهم يلجأون إلى النقد الهدّام الذي لا يبغي سوى الانتقام من الآخر، عوضاً عن مساعدته على اكتشاف مواطن ضعفه أو تقصيره. بل يقترن هذا مع اللجوء إلى القدح والذمّ، مع الإشادة بالنفس واستعراض المنجزات الخاصّة بصورة مبتذلة ملحّة للتأكيد أنّهم الأفضل، وكأنّهم بذلك يقولون نحن لا نخضع للنقد. فهل يُذكّرنا هذا بتصرفات الحاكم الفرد الذي ينتقده كثير من هؤلاء "المفكّرين"؟
أرى أنّ هذا الأسلوب لاحاجة لهم فيه، لأنّ أعمال كلّ فرد تتكلّم عن نفسها. ولا داعي للظهور بمظهر المدافع عن النفس لمجرّد أنّ أحداً قرّر اتهامنا بشيء، خصوصاً إذا كان هذا الاتهام باطلاً أصلاً، فلماذا التحرّك بتلك الرعونة؟
الذي أحاول إيجازه هنا أنّ الرغبة في التعظيم تأخذ أشكالاً مختلفة. وأنّ أكثر ما يقلقني في ذهنيّة أهمّ المثقّفين في جاليتنا العربيّة في أستراليا هو انشغال بعضهم في هذه الأمور عوضاً عن توظيف وقتهم في التفكير في كيفيّة انتشال ما تبقّى من تراثنا، فلربّما يقع علينا هذا العبء ونحن في موطن الأمان الذي ننعم به، مقارنة مع الموطن الأصل الذي تعمل يد الجهل على تحطيم تراثه وآثاره، وكلّ ما استنار من ذهنيّته.
منذ خمسين عاماً أصرّ طالب عربيّ في السنوات الأولى من كليّة الطب أنْ ينادوه "دكتور". واليوم لازالت النرجسيّة تعشّش في ذهن كثيرين من المثقّفين العرب مع ما يتنافى مع حقيقة إمكانيّاتهم وإبداعهم، بينما نرى الغرب (في ذهنيّته العامة) تخطّى هذه الأمور منذ ما يزيد عن مئات الأعوام.
السير دافيد أتينْبَرَه، الذي لا يحمل سوى إحدى وثلاثين دكتوراه فخريّة، لا يزعجه أنْ تخاطبه باسمه المجرّد. هذا لن يغيّر أو يبدّل منه شيئاً، بل أغلب الظن سيجعله ينظر إليك بعين الصداقة والحبّ.
شكراً يا دافيد!


04/09/2015
منشورات كلماتTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid NahhasTranslation by Raghid Nahhas
د. رغيد النحّاس
رغيد النحّاس في سطور
أستراليّ من أصل سوريّ، هاجر إلى أستراليا عام 1989.
باحث ومستشار علميّ، يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم البيئيّة من بريطانيا، والماجستير في علوم البحار، والبكالوريوس في العلوم من الجامعة الأميركيّة في بيروت.
عمل في عدد من الدول والمؤسسات، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وآخر منصب شغله قبل تقاعده العلميّ كان مديراً علميّاً ممتازاً في مؤسسة تقانة المياه الأستراليّة.
نشر أكثر من خمسمائة مادة في مجالات العلوم وتبسيط العلوم والفكر والنقد والقصة القصيرة والمقالة والترجمة في اللغتين العربيّة والإنكليزيّة، بما في ذلك أربعين كتاباً.
أصدر وترأس تحرير مجلة "كلمات" الفصلية من سيدني، أستراليا، كمجلة عالمية للكتابة الخلاّقة باللغتين العربيّة والإنكليزيّة، وذلك من عام 2000 إلى 2006، وكانت المحصلة 24 عدداً.
نشر عام 2013 مجموعة من كتاباته العربيّة تحت عنوان "طلٌّ وشرر"، وعام 2018 مجموعة شعريّة له (باللغتين العربيّة والإنكليزيّة) بعنوان "بدر". آخر أعماله "نصوص عاديّة"، وهي مجموعة نثريّة بالعربيّة، عام 2020.

لمزيد من المعلومات، يمكن زيارة موقعه:
www.raghidnahhas.com


"إغراء"
كلمات: رغيد النحّاس
ألحان وغناء: غسّان علم الدين
(وهذه القطعة هي من مجموعة "بدر" باللغتين العربيّة والإنكليزيّة، لمؤلّفها رغيد النحّاس. وأعد علم الدين هذه الأغنية خصيصاً لحفل إطلاق الكتاب يوم 18/03/2018 في غليبووكس في سيدني.)
من ذاكرة المسيرة : لوحات للفنان التشكيلي فؤاد تومايان
مؤسسة الجذور الثقافية - ملبورن - أستراليا  © 2020                     Copyright: https://www.algethour.com                       
free counter
>